كانت الدولة الإسلامية تبلغ مغارب الأرض ومشارقها وتحكم العالم فعلياً في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد رحمه الله.
ومن الأحداث التي ذكرها التاريخ عن هذا الخليفة الأسطورة، هي إرساله ساعة حيرت علماء الغرب في ذلك الوقت، وجعلت شارلمان ملك الغرب يتكلم مع نفسه، كما وجه مهندسوه أصابع الاتهام للشيطان بتشغيلها، وكان حقاً مضحكاً ما تفوهوا به.
كانت ساعة هارون الرشيد عبارة عن رسالة قوية للغرب مفادها أن المسلمين أصحاب حضارة وعلم، وأن نور المعرفة خرج من خيامهم التي كانوا يستحقرونها.
كما كانت الساعة إشارة أن الحضارة ليست ببناء القلاع التي يختبئ خلف أسوارها المتينة العالية أنصاف الرجال، ولكنها تكون بالعلم والمعرفة والعدل والحق.
كانت ساعة الخليفة ساعة مائية من النحاس الأصفر، ويبلغ ارتفاعها 4 أمتار، وكانت تعمل بقوة دفع الماء، وعند تمام الساعة، كانت تسقط منها كرات معدنية على قاعدة نحاسية بشكل متسلسل بحسب الساعة التي يكون فيها الوقت.
فإذا كانت الساعة الخامسة مساءً، فإن 5 كرات معدنية تتساقط وراء بعضها البعض على القاعدة النحاسية، فيخرج صوت رنين أشبه بمقطوعة موسيقية تملأ أرجاء إيوان شارلمان.
كما كان يخرج فارس من أحد الأبواب الاثني عشر المتواجدة حول الساعة، ويدور بشكل دائري ثم يعود إلى الباب الذي خرج منه ويختفي داخله.
وإذا ما دخل وقت الثانية عشرة، خرج من الأبواب جميعها اثنا عشر فارساً، ويقومون بدورة كاملة بحركة غاية في التناسق، ثم يرجعون وتغلق خلفهم الأبواب.
وعندما رأى شارلمان وحاشيته هذا الاختراع العجيب الغريب، ظنوا أن الشيطان هو من يسكن الساعة، وأمر فرسانه، فانهالوا عليها بالفؤوس، وحطموها من أجل كشف السر، فلم يجدوا إلا قطعاً ومسننات معدنية، وأجزاء الساعة الأخرى.
كما أنهم لم يستطيعوا إصلاح ما أفسدت أيديهم، على الرغم من استدعاء جميع المهندسين البارعين في مملكتهم، ولم يجدوا سوى آلات تحتاج إلى عقول غاية في الذكاء لتجميعها.
وبعد أن اتخذ شارلمان قراره الخاطئ، حزن حزناً شديداً، وعلم أن ما قاموا به فضيحة من العيار الثقيل أمام المسلمين، وخصوصاً بعد فشلهم في إصلاح الساعة.
يُذكر أن الخليفة هارون الرشيد هو الخليفة الخامس للدولة العباسية، وهو بن محمد المهدي، بن عبد الله أبي جعفر المنصور، بن محمد، بن علي، بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكان يكنى بأبي موسى، ثم أبي جعفر، وولد سنة 148 هجرياً، 765 ميلادياً.
وكان الخليفة هارون الرشيد رحمه الله متعلماً مثقفاً، متمسكاً بدينه، وكان يحج عاماً ويغزو عاماً، وحدث أن غزا وحج في عام واحد، وهو صاحب الرسالة الشهيرة التي وصف بها الإمبراطور نقفور بكلب الروم.